ترى ناتالي توتشي أن التطورات الأخيرة في أوكرانيا وإيران تكشف حقيقة تختلف عن الصورة السائدة التي تصف العالم بأنه دخل مرحلة "شريعة الغاب"، حيث تفرض القوى الكبرى إرادتها بلا قيود. وتجادل الكاتبة بأن الحروب الأخيرة أظهرت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف السياسية، وأن القانون الدولي ما زال يحتفظ بقدر من التأثير رغم الانتهاكات المتكررة له.


ونشرت صحيفة الجارديان هذا المقال في سياق نقاش أوسع حول مستقبل النظام الدولي، مؤكدة أن الحربين في أوكرانيا وإيران تبرزان حدود القوة العسكرية وتفتحان المجال أمام دور أكبر للقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف في إدارة الأزمات العالمية.


أوكرانيا وإيران تكشفان حدود القوة العسكرية


تشير الكاتبة إلى أن روسيا دخلت الحرب ضد أوكرانيا وهي تمتلك تفوقًا عسكريًا وديموجرافيًا واضحًا، بينما واجهت أوكرانيا التحدي بدعم غربي متردد ومنقسم. ورغم ذلك، لم تنجح موسكو في فرض انتصار حاسم، واستطاعت كييف الصمود والمحافظة على حضورها السياسي والعسكري.


وفي الشرق الأوسط، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران وسط انتقادات تتعلق بشرعية تلك العمليات وفق القانون الدولي. وتوضح توتشي أن كثيرين توقعوا انهيار النظام الإيراني تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية، إلا أن الأحداث سارت في اتجاه مختلف.


وتلفت إلى أن مذكرة التفاهم التي وُقعت لاحقًا بين واشنطن وطهران أعادت فتح مضيق هرمز وأقرت عمليًا بواقع جديد يمنح إيران نفوذًا مؤثرًا في الممر البحري الحيوي. وترى أن الاتفاق لم يعكس انتصارًا واضحًا للولايات المتحدة أو إسرائيل، بل أظهر أن الطرف الأقوى لم ينجح في فرض شروطه كاملة.


أوروبا بين استعادة الدور والازدواجية السياسية


تناقش الكاتبة محاولات أوروبا استعادة دورها في إدارة الأزمات الدولية. وتوضح أن تحالفًا تقوده فرنسا وبريطانيا اقترح تشكيل قوة بحرية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز وإزالة الألغام المحتملة، في خطوة هدفت إلى دعم الاستقرار الإقليمي وإبراز التزام أوروبي بالقانون الدولي.


لكنها تستبعد تنفيذ هذه المبادرة بسبب رفض إيران وجود قوات أجنبية في المضيق، إضافة إلى فتور الحماس الأمريكي تجاه المقترحات الأوروبية. ومع ذلك، ترى أن الفكرة تحمل دلالة سياسية مهمة لأنها تعكس رغبة أوروبية في المشاركة بصناعة السلام لا الاكتفاء بمراقبة الصراعات.


وتسلط الضوء على دور النرويج في تقديم المشورة القانونية للأطراف المعنية بملف هرمز استنادًا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وتعتبر أن هذا النوع من الدبلوماسية الهادئة يمنح أوروبا فرصة لاستعادة جزء من مصداقيتها الدولية عبر دعم حلول قانونية تحظى بقبول مختلف الأطراف.


القضية الفلسطينية واختبار المصداقية الأوروبية


ترى توتشي أن أكبر نقاط الضعف في السياسة الأوروبية تظهر في التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فبينما تواصل الحكومات الأوروبية التعبير عن القلق تجاه السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، لم تترجم تلك المواقف إلى إجراءات سياسية فعالة بالقدر الكافي.


وتنتقد الكاتبة ما تعتبره تقاعسًا أوروبيًا عن محاسبة إسرائيل على الانتهاكات المرتبطة بالقانون الدولي، مشيرة إلى أن النقاش داخل الاتحاد الأوروبي بدأ يتجه نحو خطوات أكثر جدية. ومن أبرز هذه الخطوات المقترحة فرض حظر على واردات المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.


وتوضح أن أغلبية من الدول الأعضاء تؤيد هذا التوجه، بينما لا تزال بعض الحكومات تعارضه لأسباب سياسية وتاريخية. وترى أن تزايد الضغوط داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي قد يدفع بروكسل إلى اتخاذ قرارات أكثر انسجامًا مع مبادئ القانون الدولي.


وتخلص الكاتبة إلى أن العالم يمر بمرحلة اضطراب عميقة، لكن نتائج الحروب الأخيرة تثبت أن القوى الكبرى لا تستطيع دائمًا فرض إرادتها بالقوة. كما تؤكد أن الدفاع عن القانون الدولي واحترام قواعده يظل السبيل الأكثر استدامة لتحقيق الاستقرار، وأن أوروبا تملك فرصة لإعادة بناء دورها العالمي إذا التزمت بمبادئها بصورة أكثر اتساقًا في أوكرانيا والشرق الأوسط على حد سواء.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/jun/20/global-rupture-international-law-ukraine-middle-east-military-superpowers